صحفيات النزاعات تحت التهديد: دعوة أممية لحمايتهن
حذّرت صحفيات ومسؤولات أمميات من تصاعد الإساءة عبر الإنترنت والاعتداءات القائمة على النوع الاجتماعي على النساء اللواتي ينقلن أخبار مناطق الأزمات.
دعت صحفيات ومسؤولات في الأمم المتحدة إلى تحرك عاجل لحماية النساء اللواتي يوثّقن النزاعات، مع تصاعد الإساءة عبر الإنترنت والاعتداءات القائمة على النوع الاجتماعي وإفلات المعتدين من العقاب. وجاءت الدعوة خلال فعالية رفيعة المستوى في نيويورك ضمن أسبوع «المرأة والسلام والأمن».
75%من الصحفيات المشاركات في دراسة أممية تعرضن للعنف عبر الإنترنت42%من الصحفيات ربطن الهجمات الإلكترونية باعتداء في الواقع، مقابل 20% عام 2020من نحو 2800 إلى أقل من 700عدد الصحفيات في أفغانستان بعد سيطرة طالبانقالت الصحفية الفلبينية ماريا ريسا، الحائزة جائزة نوبل للسلام، في كلمتها أمام الأمم المتحدة هذا الأسبوع: «كل صحفية تُدفع إلى مغادرة منطقة نزاع هي عملية سلام تفقد شاهدتها». وحثّت الحكومات على تجاوز الوعود واتخاذ خطوات عملية لحماية الإعلاميات في الميدان.
فعالية بتنظيم يوناني وأممي
حين تُسكَت الصحفيات، تُسكَت أيضًا النساء اللواتي يروين قصصهن.
نظّمت الفعالية البعثة الدائمة لليونان لدى الأمم المتحدة، وهيئة الأمم المتحدة للمرأة، ومنظمة اليونسكو التي تتبنى قضية حماية الصحفيين. وحملت الفعالية عنوان «كل صوت من أجل السلام مهم: رؤى جديدة لأجندة المرأة والسلام والأمن». وعُقدت بعد 26 عامًا على اعتماد قرار مجلس الأمن 1325، الذي أكد أهمية مشاركة المرأة الكاملة في منع النزاعات وحلّها وبناء السلام.
«اقتلوا الرسول لتقتلوا الرسالة»
قالت ريسا، وهي إحدى مؤسسي المؤسسة الإخبارية الفلبينية «رابلر»: «حين يكون الرسول امرأة، يُستهدف جنسيًا، ويُجرَّد من إنسانيته، ولا تتوقف الهجمات». وقد واجهت هي نفسها الاعتقال والقضايا القانونية وهجمات متواصلة على الإنترنت. وأكدت أن الترهيب يضعف مصداقية الصحفيات وثقتهن بأنفسهن، ويهدد سلامتهن، وقد يقتل في النهاية عزيمتهن على مواصلة العمل.
وفي ذروة الهجمات عليها، تلقت 90 رسالة كراهية في الساعة. وتُظهر هذه الهجمات كيف تُستخدم الإساءة القائمة على النوع الاجتماعي لتشويه سمعة النساء اللواتي يتحدين أصحاب السلطة. وقالت ريسا: «اقتلوا الرسول لتقتلوا الرسالة».
الذكاء الاصطناعي يزيد الخطر

يضيف الذكاء الاصطناعي بعدًا جديدًا للتهديد، إذ يتيح نشر التزييف العميق وصور جنسية ملفقة وأصوات مستنسخة وهجمات منسقة على نطاق واسع. ووفق بيانات هيئة الأمم المتحدة للمرأة، أبلغت امرأة تقريبًا من كل أربع نساء من المدافعات عن حقوق الإنسان والناشطات والصحفيات عن تعرضها لإساءة بواسطة الذكاء الاصطناعي، وقد تتحول هذه الإساءة مع الوقت إلى عنف جسدي.
وتبيّن أبحاث حديثة أن الهجمات عبر الإنترنت، التي كانت تُعد مشكلة «افتراضية»، صارت تنتقل إلى الواقع. وهي تؤثر في سلامة النساء ورفاههن وقدرتهن على المشاركة بحرية في النقاش العام.
مطالب بمحاسبة المعتدين والشركات
طالبت ريسا بالتعامل مع العنف عبر الإنترنت بوصفه عنفًا حقيقيًا. ودعت إلى محاسبة أشد للمعتدين وللشركات التقنية التي تضخّم الإساءة، وإلى تمويل مستدام للصحافة التي تقودها النساء، وإلى إشراك الصحفيات في النقاشات المتعلقة بالسلام والأمن.
واستحضرت ريسا كلمات الصحفية الجورجية ميزيا أماغلوبيلي، التي لا تزال في السجن. وذكرت أن نسخة من كتاب «كيف تقف في وجه ديكتاتور» رُفعت في قاعة المحكمة حين تعذّر الكلام بحرية. وقالت ريسا: «ما قالته من زنزانتها هو: قاتلوا قبل فوات الأوان. نحن نقترب. هذه هي اللحظة».
ودعت الصحفيين والمجتمع المدني والحكومات والمؤسسات الدولية إلى الوقوف معًا ضد نظام يسمح بالاعتداء على الصحفيات دون رادع. وقالت: «نرفض أن نكون الضحية. النساء هنا حوّلن الهجوم إلى قصة، وفي كل مرة وقفت إحدانا وقفت أخريات معها. الشجاعة معدية. لكن الشجاعة ليست استراتيجية حماية، أما دول الأمم المتحدة فهي كذلك».
أفغانستان: «السماح بالعمل لا يعني حرية العمل»
ترى الصحفية ورائدة الأعمال الإعلامية الأفغانية حميدة أمان أن حماية الصحفيات تعني ألا تُقصى ملايين النساء عن الحياة العامة بالكامل. وحين أطلقت «راديو بيغوم» في مارس 2021، أرادت أن توفر مساحة تتبادل فيها الأفغانيات تجاربهن ويحصلن على معلومات تهم حياتهن. ومنذ سيطرة طالبان على الحكم، جعلت القيود هذا العمل أصعب فأصعب.

واستندت أمان إلى أرقام الاتحاد الدولي للصحفيين، فقالت إن عدد الصحفيات في أفغانستان انخفض من نحو 2800 قبل سيطرة طالبان إلى أقل من 700. وقالت: «السماح لنا بالعمل لا يعني أننا أحرار في العمل». ووصفت الرقابة والعراقيل الإدارية التي تواجه «راديو بيغوم». وتعرضت المؤسسة للتهديد والإغلاق المؤقت، وسُجن بعض زملائها أكثر من ستة أشهر.
وتساءلت أمان: «إذا اختفت هؤلاء الصحفيات، فمن سيتحدث عن حياة المرأة الأفغانية؟ ومن سيُسمع صوتها؟».
حين تُسكَت الصحفية تُسكَت قصص النساء
حماية الصحفيات ليست مسألة سلامة فردية فقط. فهي تتصل أيضًا بمن تُوثَّق تجاربهن في النزاعات، وبمن تشكّل أصواتهن فهم الناس للأحداث، وبمن يُعترف بإسهامهن في السلام.
قالت نياردزاي غومبونزفاندا، نائبة المديرة التنفيذية لهيئة الأمم المتحدة للمرأة لشؤون الدعم المعياري وتنسيق منظومة الأمم المتحدة ونتائج البرامج: «حين تُسكَت الصحفيات، تُسكَت أيضًا النساء اللواتي يروين قصصهن. فالأمر ليس إسكاتًا للصحفيات فقط، بل إسكات لقصتنا الجماعية».
وأشارت إلى أن النساء في بيئات النزاع كثيرًا ما يُصوَّرن ضحايا، رغم أدوارهن في منع العنف والوساطة في الخلافات وإدامة المجتمعات وإعادة بنائها. وحين لا تُنقل تجاربهن، لا يرى الجمهور سوى جزء من واقع الحرب، أي «نصف صورة السلام».
أرقام تكشف حجم المشكلة
وفق دراسة حديثة أجرتها هيئة الأمم المتحدة للمرأة واليونسكو، تعرضت 75 في المئة من الصحفيات المشاركات في الدراسة للعنف عبر الإنترنت. وربطت 42 في المئة منهن الهجمات الإلكترونية باعتداء أو إساءة في العالم الواقعي، مقابل 20 في المئة عام 2020.

وبين عامي 2013 و2023، تضاعفت تغطية النزاعات أكثر من ست مرات، لكن 5 في المئة فقط من المقالات المنشورة ركزت على تجارب النساء في الحرب. و0.04 في المئة فقط ذكرت قيادات نسائية في عمليات السلام، بحسب أرقام عُرضت في الفعالية. وقالت ريسا للحاضرات في نيويورك: «نحن لسنا غير مرئيات».
صحفيات غطين الحرب الأهلية الإسبانية
استذكرت بيغونيا لاساغاباستر، مديرة قسم المساواة بين الجنسين في اليونسكو، معرض «حدّثوا العالم عنها». ويوثّق المعرض قرابة 200 صحفية من أكثر من 25 بلدًا غطّين الحرب الأهلية الإسبانية قبل 90 عامًا.
وقالت: «بينما كان معظم العالم يحصي المعارك، كانت هؤلاء النساء يحصين الأرواح. كتبن عن الجوع والنزوح، وعما تفعله الحرب بالأم والأب والطفل والمدينة والبلد». وأضافت أنهن بذلك «غيّرن نظرة العالم إلى الحرب».
أطر موجودة وحماية ناقصة
توجد أطر دولية لحماية الصحفيين، لكن الصحفيات ما زلن يتعرضن للعنف الجسدي والمضايقات القانونية والصدمات النفسية، وحملات على الإنترنت تهدف إلى تشويه عملهن.
ومع اقتراب اليوم الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين في 2 نوفمبر، تستعد اليونسكو لإطلاق حملة جديدة بعنوان «التهديدات تتطور والإفلات من العقاب يستمر»، مع نتائج جديدة عن سلامة الصحفيين والإفلات من العقاب.
وختمت ريسا بقولها: «كل صوت من أجل السلام مهم، لكن الصوت لا يُحتسب إلا إذا سُمع، أي إذا نجت تلك المرأة من أجل أن يُسمع صوتها».