نساء لبنانيات يطالبن بدور فعلي في صنع السلام
منسقة النوع الاجتماعي في اليونيفيل وناشطة في بناء السلام تتحدثان عن غياب النساء عن القرارات، مع اقتراب انتهاء ولاية القوة الأممية في لبنان.
تقول رنا رحّال، منسقة قسم النوع الاجتماعي في قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، وشيرين الجردي، الناشطة في بناء السلام، إن النساء في لبنان يحتجن إلى مشاركة فعلية في جهود السلام وصنع القرار، لا إلى حضور شكلي. جاء ذلك في حديثين على هامش أسبوع المرأة والسلام والأمن في مقر الأمم المتحدة بنيويورك.
أكثر من 300امرأة في ثلاث مجموعات محلية أنشأتها اليونيفيل15 في المئةمن ميزانية مشاريع اليونيفيل ذات الأثر السريع خُصصت لمبادرات النساء والفتيات18 عامًامدة عمل رنا رحّال مع اليونيفيلتأتي هذه المطالب فيما تتواصل تداعيات الحرب على لبنان، وتواجه المجتمعات المحلية النزوح والدمار وفقدان مقومات الحياة. وتتجدد معها الأسئلة عن موقع النساء في جهود السلام والأمن، وعن الاعتراف بدورهن في حماية مجتمعاتهن والمشاركة في القرارات التي تمس مستقبلهن.
وبموجب قرار من مجلس الأمن الدولي، تقترب ولاية اليونيفيل من نهايتها. ويثير ذلك تساؤلات عن مستقبل مشاركة النساء في صنع القرار وعن حمايتهن، وعن كيفية تحويل الالتزامات الدولية بشأن المرأة والسلام والأمن إلى واقع ملموس.
النساء لا يحتجن إلى مزيد من التدريب بقدر حاجتهن إلى المساحة والفرصة.
حضور البعثة في المجتمعات
ترى رحّال أن دور اليونيفيل في تعزيز أجندة المرأة والسلام والأمن لم يقتصر على المبادرات والبرامج، بل ارتبط أساسًا بوجود البعثة على الأرض، في قلب مجتمعات عاشت النزاعات.
وقالت إن الحرب وتداعياتها تسببتا في نزوح نصف سكان جنوب لبنان إلى مناطق أخرى من البلاد أو إلى الخارج. وأضافت أن حفظة السلام كانوا، على امتداد سنوات عملهم، حاضرين في المجتمعات التي شهدت الدمار والموت.
وقالت: «في مناطق النزاع، يكون حفظة السلام حيث لا يكون الآخرون». وأشارت إلى أن وجودهم وسط السكان جعلهم، بالنسبة إلى كثيرين، بمثابة عائلة تشاركهم المآسي والتحديات.
مجموعات نسائية ومشاريع اقتصادية
أُنشئت وحدة النوع الاجتماعي في اليونيفيل عام 2010، وبدأ العمل على ترسيخ أجندة المرأة والسلام والأمن ضمن أنشطة البعثة العسكرية والمدنية. ومن أبرز نتائج هذا العمل، بحسب رحّال، إنشاء ثلاث مجموعات محلية تضم اليوم أكثر من 300 امرأة من قرى ومناطق وخلفيات دينية وطائفية واجتماعية مختلفة.
وأوضحت رحّال أن هذه المجموعات أتاحت للنساء التواصل مع قيادة البعثة والتعبير مباشرة عن احتياجاتهن ومخاوفهن ومطالبهن. وأفادت بأنها ساهمت أيضًا في إيصال أصواتهن إلى الحكومة اللبنانية، وفي إعداد المسودة الأولى لخطة العمل الوطنية بشأن المرأة والسلام والأمن، تنفيذًا لقرار مجلس الأمن رقم 1325.
وأبدت رحّال مخاوف بشأن مستقبل هذه الجهود مع اقتراب انتهاء الولاية. وأوضحت أن عمل القوة لم يقتصر على تعزيز المشاركة السياسية، بل شمل التمكين الاقتصادي: نظمت معارض لتسويق منتجات النساء وورشًا تدريبية، وخصصت 15 في المئة من ميزانية مشاريعها ذات الأثر السريع لمبادرات تستهدف النساء والفتيات.

وقالت إن اليونيفيل لا تزال تنظم أنشطة ولقاءات يومية مع النساء، ومنهن النازحات المقيمات في المدارس ومراكز الإيواء غير الرسمية.
وتتذكر رحّال سؤالًا وجهته إحدى النازحات في جنوب لبنان: «ماذا يمكننا أن نفعل حتى نمنع غياب اليونيفيل؟ هل تريدون منا أن نتظاهر في الطرقات؟». وترى أن هذه الكلمات تعكس حجم الثقة التي بُنيت على مدى سنوات، وحذرت من أن العلاقات مع المجتمعات المتضررة لا تُؤسس بين ليلة وضحاها.
أعباء النساء في الحرب
وتشدد رحّال على أن الحديث عن إشراك النساء في القرارات الأمنية وتنفيذ القرار 1701 لا ينفصل عن واقعهن المعيشي. وتقول إن منازل أكثر من 40 قرية تضررت، وإن كثيرًا من النساء فقدن أفرادًا من عائلاتهن ولا يستطعن حتى الآن العودة إلى مناطقهن.
وتضيف: «عندما تبدأ الحروب، يتراجع دور النساء إلى الخلف، ولا سيما إذا لم يكنّ موجودات أصلا على طاولة الحوار وصنع القرار».
وتشرح أن الأم التي لا تستطيع تأمين الدواء لابنها المريض لن تتمكن من حضور اجتماع، وأن المرأة التي تخشى على بناتها في مركز إيواء لن تستطيع تركهن للذهاب إلى العمل.
وأفادت بأن النساء يتحملن أعباء مضاعفة خلال الحرب، تشمل رعاية الجرحى والمرضى والنازحين، ودفن الموتى، والحفاظ على تماسك الأسرة، إضافة إلى تزايد مخاطر العنف المنزلي.
وبعد 18 عامًا من العمل مع اليونيفيل، تلخص رحّال أحد أبرز دروس تجربتها بأن النجاح يتطلب أن يصبح العاملون جزءًا من المجتمع الذي يخدمونه، لا أن يكتفوا بمراقبة واقعه من بعيد.
وتستحضر دارًا للأيتام في تبنين ترفع علم الأمم المتحدة. وكتبت فتيات يتيمات تحت العلم كلمات تعبّر عن ارتباطهن به: «لقد أصبح العلم الأزرق هو اللون الأزرق الوحيد الذي لا يزال حاضرا في بعض الأماكن في الجنوب».
وأبدت رحّال أملًا في أن يستمر وجود الأمم المتحدة في جنوب لبنان بعد انتهاء مهمة اليونيفيل. وقالت: «أتمنى من كل قلبي ألا نخذل هذا المجتمع الذي عانى كثيرا، وأن نأخذ تطلعاته ومطالبه في الاعتبار».

فجوة بين الالتزامات والواقع
أما شيرين الجردي فترى أن إحدى أبرز الفجوات بين الالتزامات الدولية والواقع هي غياب التمثيل الفعلي للنساء، ولا سيما العاملات على الأرض. وتقول إن غياب أصوات المجتمع المدني عن النقاشات الدولية يعني غياب أولويات المجتمعات المتضررة وتحدياتها.
وتشير إلى أن النساء قد يحضرن في بعض المواقع السياسية والأمنية، لكنهن يبقين بعيدات عن القرارات المتعلقة بالسلام. وتتساءل عن مدى مراعاة اتفاقات وقف إطلاق النار لاحتياجات النساء والأطفال والفئات المهمشة.
وطالبت الجردي المجتمع الدولي بمراجعة عمليات نقل الأسلحة إلى مناطق النزاع، والالتزام بالمساءلة والمحاسبة، ووقف الحروب فعليًا بدل الاكتفاء باتفاقات لا تنعكس على حياة السكان.
كما ربطت بين العسكرة والأضرار البيئية والعدالة المناخية، وقالت إن التعامل مع هذه القضايا بصورة منفصلة لن يؤدي إلى حلول مستدامة. وأشارت إلى أن آثار الأسلحة لا تقتصر على الخسائر البشرية، بل تمتد إلى المياه والتربة والهواء والبحر الأبيض المتوسط.
مبادرة بقيادة نساء
وتعمل الجردي مع زميلات لها على مبادرة في لبنان باسم «البنية التحتية للسلام بقيادة النساء». وقالت إنها تهدف إلى إنشاء آلية مؤسسية لرصد الانتهاكات المتعلقة بوقف إطلاق النار من منظور إنساني.
وأضافت أن المبادرة ستساهم أيضًا في متابعة الظروف اللازمة لعودة السكان إلى منازلهم، بما يشمل الأمن والخدمات الأساسية والجهات المسؤولة عن ضمان العودة.
وتؤكد الجردي أن النساء قادرات على أداء دور عملي في هذه المجالات، ولا ينبغي أن يبقى حضورهن محصورًا في الشعارات أو التدريبات. وتقول: «النساء لا يحتجن إلى مزيد من التدريب بقدر حاجتهن إلى المساحة والفرصة. هن يعملن بالفعل، وهن صانعات للسلام. استمعوا إليهن».
وأكدت أن الإرادة السياسية تبقى شرطًا أساسيًا لتحويل التدريبات والالتزامات إلى مشاركة فعلية، وشددت على ضرورة إتاحة الفرص للنساء للمساهمة في صنع القرارات ومتابعة تنفيذها.
ووجهت الجردي رسالة إلى أعضاء مجلس الأمن، دعتهم فيها إلى العودة إلى روح القرار 1325 والاستماع إلى المجتمع المدني وإلى الأصوات القادمة من الميدان. وقالت: «نحن موجودات هنا، فاستمعوا إلينا، وامنحونا المساحة التي تمكّننا من القيام بدور حقيقي وفعال».